أحمد بن علي القلقشندي

22

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

لها الحين ( 1 ) ، وقيّض لها من اقتضى منها الدّين ؛ فصبّحها بما ساء به صباحها . وزعزعها بالزّئير الذي خرس له نباحها . وكان من خبرها أننا لما أطللنا عليها مغيرين ، وأطفنا بها دائرين ، ولكؤوس الحرب مديرين ؛ تغلَّبت الأنجاد والأبطال على الزّحف ، وأعجل ارتياح النصر عن انتظام عقد الصّف ؛ وانقضّوا عليها ، انقضاض البزاة على طرائدها ، وأسرعوا إليها ، إسراع العطاش إلى مواردها ؛ ورفعت الألوية خافقة كذوائب الضّرام ( 2 ) ، طالعة برسائل الحمام ، مشيرة بالعذبات ( 3 ) إشارة لم يطمئنوا إليها بالسّلام ؛ وجاءهم الموت من كلّ مكان ، وأمطرت الشّهب من كل سنان ؛ فرأوا مثواهم الحبيب ، ومحلَّهم الخصيب ؛ وقد ركضت فيه خيول الغير ، واعترضت فيه سيول العبر ، وجرّدت فيه نصول القدر ؛ والنار قد لعبت فيه مجدّه ، واحمرّت فيه خدودها مخدّه ( 4 ) ؛ وأقواتهم المدّخره ، وأموالهم المثمّره ؛ نفلا ( 5 ) مباحا ، وزبدا مطاحا ؛ ومغنما مشاعا ، ونهبا مضاعا ؛ قد ملئت منه الرّحال وأخصبت ، واتّسعت به الأيدي وضاقت به الأرض بما رحبت . الأسلوب الثاني ( أن تفتتح المكاتبة بلفظ الإصدار ) مثل : أصدرنا هذه المكاتبة ، أو أصدرت ، أو صدرت ؛ ويؤتى على المقصود على ما تقدّم . وهذه نسخة كتاب من هذا الأسلوب كتب به القاضي الفاضل ( 6 ) ، عن

--> ( 1 ) الحين : الهلاك والمحنة . ( 2 ) أي كألسنة النار . ( 3 ) العذبة : طرف الشيء . ( 4 ) مخدّة : مشقوقة . ( 5 ) النّفل ( بالفاء المفتوحة ) : الغنيمة . ( 6 ) هو عبد الرحيم بن علي بن السعيد اللخمي ، المعروف بالقاضي الفاضل . من أئمة الكتاب . كان من وزراء السلطان صلاح الدين ومن مقربيه ولم يخدم بعده أحدا . قال بعض مترجميه : كانت الدولة بأسرها تأتي إلى خدمته . توفي سنة 596 ه . ( الأعلام : 3 / 346 ) .